الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

219

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الذي ينتظره ، والذي يجدر أن يهيئه في أبهى وأفضل صورة . . تأتي هذه الآيات المباركات التي هي آخر آيات سورة الحشر ، والتي تأخذ بنظر الاعتبار مجمل ما ورد من آيات هذه السورة ، لتوضح حقيقة أخرى حول القرآن الكريم ، وهي : أن هذا الكتاب المبارك له تأثير عميق جدا حتى على الجمادات ، حيث أنه لو نزل على الجبال لهزها وحركها وجعلها في وضع من الاضطراب المقترن بالخشوع . . إلا أنه - مع الأسف - هذا الإنسان القاسي القلب يسمع آيات الله تتلى عليه ولا تتحرك روحه ولا يخشع قلبه ، يقول سبحانه : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون . فسر الكثير من المفسرين هذه الآيات بأنها تشبيه ، وقالوا : إن الهدف من ذلك هو بيان أن هذه الآيات إذا نزلت على الجبال بكل صلابتها وقوتها إذا كان لها عقل وشعور - بدلا من نزولها على قلب الإنسان - فإنها تهتز وتضطرب إلى درجة أنها تتشقق ، إلا أن قسما من الناس ذوي القلوب القاسية والتي هي كالحجارة أو أشد قسوة لا يسمعون ولا يعون ولا يتأثرون أدنى تأثير ، وجملة : وتلك الأمثال نضربها للناس اعتبرت دليلا وشاهدا على هذا الفهم . وقد حملها البعض الآخر على ظاهرها وقالوا : إن كل الموجودات في هذا العالم - ومن جملتها الجبال - لها نوع من الإدراك والشعور الخاص بها ، وإذا نزلت هذه الآيات عليها فإنها ستتلاشى ، ودليل هذا ما ورد في الآية ( 74 ) من سورة البقرة في وصف جماعة من اليهود ، قال تعالى : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ، وان من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وان منها لما يهبط من خشية الله . والتعبير ب‍ ( مثل ) يمكن أن يكون بمعنى هذا الوصف ، كما جاءت هذه الكلمة مرارا مجسدة لنفس المعنى ، وبناء على هذا ، فإن التعبير المذكور لا يتنافى مع هذا